الجنيد البغدادي
59
رسائل الجنيد
في قلبي رجاؤك ، وأعذب الكلام على لساني كلامك وثناؤك ، وأحب الساعات إلى ساعة يكون فيها لقاؤك ، إلهي لا صبر لي في الدنيا عن ذكرك فكيف أصبر في الآخرة عن رؤيتك ، إلهي أشكو إليك غربتي في بلادك ، ووحشتي بين عبادك . وكذلك كان منصور بن عمار يقول في بعض مناجاته : إلهي أنسي بك ووحشتي من خلقك ومعرفتي بك تمنعني من مناجاة غيرك ، إلهي حبك عطش كبدي وأوحشني من ولدي وأضاق علي بلدي ، سبحانك سبحانك ، عجبت لمن يعرفك كيف لا يستغني عن غيرك بك أم كيف هو يريد سواك ، إلهي من لم يكن مسرورا بك فمن أين له السرور ، إلهي لا تجعلني ممن قد صرفت عنه وجهك ، وحجبت عنه عفوك ، وغلقت عنه بابك ، وقطعتك عنه عظمتك ، ووكلته إلى غيرك طرفة عين ولا أقل من ذلك يا أرحم الراحمين . وحكى أن محمد بن كعب القرظي قال : كنت في مسجد الكوفة في ليلة من الليالي فبينما أنا في نصف الليل فإذا أنا بعلي بن الحسين زين العابدين رضي اللّه عنه قد جاء ووقف بباب المسجد وهو يقول في بعض مناجاته : يا حبيبي وقرة عيني غلقت الملوك أبوابها وطافت عليها حراسها وبابك مفتوح ، ثم دخل المسجد وصلى ركعتين ، ثم أنشد يقول : لبيك يا من أنت مولاه * فارحم عبيدا إليك ملجاه عليك يا ذا الجلال معتمدي * طوبى لمن كنت أنت مولاه طوبى لمن كان خائفا وجلا * يشكو إلى ذي الجلال بلواه وما به علة ولا سقم * أكثر من حبه لمولاه إذا خلا في الظلام مبتهلا * أكرمه اللّه ثم لباه قال محمد بن كعب : فسمعت هاتفا من السماء يقول : لبيك عبدي فأنت في كنفي * وكل ما قلت قد سمعناه دعاك عبدي يجول في حجبي * فذنبك اليوم قد غفرناه